أتأمرون الناس بالبر..
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم. فالأمر يحتاج تدريباً وإرادة، وقبل ذلك صفاء الباطن كما الظاهر.
هذا التوافق والقدرة على أن تفعل ما تقول، سبب لإحداث التأثير الإيجابي في نفوس الغير. أما أن تأمر بفعلٍ أنت مخالفه، وتنهى عن فعلٍ أنت منغمس فيه، فهو التناقض ذاته الذي يُذهب بالهيبة أولاً، ومن ثم لا أثر فاعلاً في نفوس الآخرين تجده ثانياً.
على رغم أن القرآن أشار إلى اليهود في قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) إلا أن الآية تشمل كل أحد يحث آخرين على فعل الخير وهو يجانبه، أو ينهى عن قبيح الأقوال والأفعال وهو غارق فيها جميعاً ! الأمر يشمل الآباء والأمهات، المعلمون والمعلمات، وغيرهم من الدعاة والمسؤولين والزعماء ومن على شاكلتهم، أو كل من يأمر وينصح ويوجّه ويُرشد.
أبرز من يمكن الإشارة إليهم في ظل هذه الآية هم علماء الدين والدعاة إليه. لماذا؟ لأن تبليغ الدين والدعوة إليه تحتاج إلى عامل الثقة في الداعية، فإنّ المدعو ما إن يضع ثقته في الداعية، فقد أعلن قبوله وفتح أبواب قلبه لما سيأتي من لدن هذا الداعية، وبالتالي أي اهتزاز لتلك الثقة، يعني اهتزاز الثقة بالدين، وهنا خطورة الأمر.
الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين
إليه - كما يقول صاحب الظلال، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة
وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. إنّ آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا
عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا
يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويؤولون النصوص
القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر
النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء من يملكون
المال أو السلطان، كما كان يفعل أحبار يهود ! عافانا الله وإياكم من هذا النفاق،
وجعلنا من ( الذين يستمعـون القول فيتبعون أحسنه ).