انتبه من البيت العنكبوتي

   العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن جاء ذكرها في آية واحدة بالإشارة إلى بيتها، الذي يُضرب به المثل على الوهن والضعف وعدم التماسك أمام أي هزة، أو هبة.

   أنثى العنكبوت هي كل الحكاية في عالم هذا الحيوان. الذكر لا دور له سوى المحافظة على استمرار النوع، ثم عليه أن يكون سريع الفرار بعد أداء وظيفته الفطرية مع العنكبوت، من قبل أن تقتله وتلتهمه، فهذا غالباً ما يحدث في أي بيت عنكبوتي. ومن هنا تسمى العنكبوت بالأرملة السوداء، أو الأنثى التي ترمل نفسها بيدها، لتبقى المسيطرة على البيت، ولهذا القرآن ينسبُ البيت إليها.

   قد نظن للوهلة الأولى أن الوهن في بيت العنكبوت بسبب النسيج المستخدم لبناء الشبكة، لكن بعد دراسة علماء الأحياء لحياة هذا الكائن، تبين مدى دقة الوصف القرآني المدهش لمعنى الوهن في هذا البيت تحديداً، دون غيره من البيوت. إذ أنّ الوهن ليس في الشبكة، أو الخيوط، بل في كيان هذا البيت.

   لاحظ أن الأنثى ما إن تنتهي من عملية التزاوج مع الذكر، تبدأ ترتيباتها لقتل العنكب دون أدنى رأفة ورحمة. لكن بعض ذكور العناكب من الذكاء والمهارة، تهرب سريعاً وتنجو بحياتها قبل أن تستعيد العنكبوت نشاطها بعد التزاوج. لكن في أحيان أخرى، هذه الشريرة، وبدلاً من قتل العنكب، تقرر الإبقاء على حياته، فتسجنه في بيتها، ليس رحمة وحباً فيه، وإنما تبقيه كطعام جاهز لصغارها حين يفقس البيض، حتى تجد تلك العناكب الصغيرة الجائعة أباها كطعام لذيذ جاهز للالتهام ! 

وفي بيوت عنكبوتية أخرى، تتطور الأمور في السوء. فما إن تبدأ العناكب الصغيرة بالنمو حتى تنقلب على الأم أيضاً، والتي يجدونها وجبة شهية سهلة المنال. وهكذا يبدأ يعيش أولئك الصغار في مرحلة النمو، وفق مبدأ القوي يأكل الضعيف، حتى يُنسف البيت عن بكرة أبيه !

    البيت العنكبوتي إذن متخلخل لا أساس له منذ بداية تأسيسه، ولا هدف من وراء بنائه سوى تحقيق مصالح فردية بحتة، ولو على حساب جميع أهل البيت. وما أكثر البيوت العنكبوتية في عالمنا البشري، وهو مغزى حديث اليوم، حيث تجد بيوتاً كثيرة يغيب عنها الترابط والتعاون والألفة، وهي أساسات البيت السليم الصحي. لأنّ الوهن حين يضرب في جذور العلاقات الأسرية، ويقع التفرق والخلاف بين أفراد البيت الواحد، وخاصة بين الزوج وزوجته، فإنّ نتائجه عادة هي خراب وانهيار هذا البيت على من فيه. ولذلك كلما قويت العلاقات، صمد البيت، والعكس صحيح دون كثير شروحات وتفصيلات..            

                           أتأمرون الناس بالبر..

   

  ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم. فالأمر يحتاج تدريباً وإرادة، وقبل ذلك صفاء الباطن كما الظاهر.

  هذا التوافق والقدرة على أن تفعل ما تقول، سبب لإحداث التأثير الإيجابي في نفوس الغير. أما أن تأمر بفعلٍ أنت مخالفه، وتنهى عن فعلٍ أنت منغمس فيه، فهو التناقض ذاته الذي يُذهب بالهيبة أولاً، ومن ثم لا أثر فاعلاً في نفوس الآخرين تجده ثانياً.

   على رغم أن القرآن أشار إلى اليهود في قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) إلا أن الآية تشمل كل أحد يحث آخرين على فعل الخير وهو يجانبه، أو ينهى عن قبيح الأقوال والأفعال وهو غارق فيها جميعاً ! الأمر يشمل الآباء والأمهات، المعلمون والمعلمات، وغيرهم من الدعاة والمسؤولين والزعماء ومن على شاكلتهم، أو كل من يأمر وينصح ويوجّه ويُرشد.

   أبرز من يمكن الإشارة إليهم في ظل هذه الآية هم علماء الدين والدعاة إليه. لماذا؟ لأن تبليغ الدين والدعوة إليه تحتاج إلى عامل الثقة في الداعية، فإنّ المدعو ما إن يضع ثقته في الداعية، فقد أعلن قبوله وفتح أبواب قلبه لما سيأتي من لدن هذا الداعية، وبالتالي أي اهتزاز لتلك الثقة، يعني اهتزاز الثقة بالدين، وهنا خطورة الأمر.

   الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه - كما يقول صاحب الظلال، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. إنّ آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء من يملكون المال أو السلطان، كما كان يفعل أحبار يهود ! عافانا الله وإياكم من هذا النفاق، وجعلنا من ( الذين يستمعـون القول فيتبعون أحسنه ).


   ويلٌ للمطففين..

   سورة المطففين أول سورة نزلت بالمدينة المنورة، حيث كان أهلها من أخبث الناس كيلاً قبل مجيء الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، كما روي عن ابن عباس قال: " لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله عز وجل ( ويل للمطففين ) فأحسنوا الكيل إلى يومهم هذا.

   قال مالك بن دينار: احتضر جارٌ لي فجعل يقول: جبلان من نار.فقلت له: ما هذا ؟ فقال لي: يا أخي كان لي مكيالان آخذاً بالوافي وأعطي بالناقص.. وقال عكرمة: أشهد على كل كيّال، أو وزّان أنه في النار ( يقصد المطففين منهم ). وقال بعض العرب: لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل وألسنة الموازين. والمطفف كما يقول الإمام الماوردي، مأخوذ من الطفيف وهو القليل، أي أنّ المطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيلٍ، أو وزن، مادي أم معنوي.

  فعل التطفيف ليس محصوراً في البيع والشراء، وإنقاص المكيال والميزان، بل هو سلوك أوسع وأشمل، وقد يظهر في جوانب كثيرة من حياتنا. فالتطفيف يعني أن يطلب المرء حقه كاملاً، بينما هو في الوقت ذاته يبخس الآخرين حقوقهم، سواء أكانت حقوقاً مادية، أم معنوية. وقد يكون التطفيف في العمل أيضاً حين يطالب موظف أن ينال التقدير وكافة حقوقه، بينما هو لا يؤدي واجباته بإخلاص وأمانة. وهناك التطفيف في العلاقات كذلك، حين ينتظر أحدهم من الآخرين الوفاء والاهتمام والرعاية، بينما هو يتجاهل أبسط حقوقهم، أو لا يتعامل معهم بنفس المعاملة التي يرغبها هو منهم !! ومن صور التطفيف أيضاً، أن ينسب المرء لنفسه جهود الآخرين، أو يقلل من إنجازاتهم، أو يبحث عن أخطائهم.


 ومن هنا يتضح أن فعل التطفيف ليس مجرد نقص في ميزان مادي، بل هو خلل في ميزان الأخلاق والعدل، يجعل المرء أنانياً في غالب معاملاته مع الآخرين، ويتحول هذا الفعل إلى سلوك مصاحب يصعب عليه التخلي عنه، وبالتالي فقدان ثقة الناس به، إضافة إلى الويل الذي ينتظره، أو الوعيد الشديد الذي تحدثت عنه السورة الكريمة، بسبب أنّ التطفيف، أو بخس الناس حقوقهم، ظلم بيّن وضياع للأمانة.

  سورة المطففين كخلاصة للحديث، تدعونا إلى أهمية أن يزن المرء أفعاله بميزان العدل، ويعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ويؤدي حقوقهم كاملة، كما يحب أن يؤدي الناس إليه حقوقه كاملة. إنّ بخس الناس حقوقهم ولو بالشيء الطفيف، لو لم تكن مسألة عظيمة، ما ابتدأ الله سبحانه بتهديد كل كيّال أو وزّان بالويل، وهو أشد العذاب. حفظنا الله وإياكم من أن نكون من المطففين ( الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون ) نسأل الله لنا ولكم العافية.