ليس عيباً أن تخطئ .. ولكن             

   كلنا معرضون للوقوع في الأخطاء، سواء في أعمالنا الرسمية، أو علاقاتنا الإنسانية، على اعتبار أن " كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون " أو كما قال صلى الله عليه وسلم.. ومعنى ذلك، أنّه لا شيء في أن تخطئ، لكن أن يتكرر منك الخطأ مرة بعد أخرى، دون أدنى اعتبار وإتعاظ من الأخطاء السابقة، أو التجارب الماضية، ففي هذا الفعل، أو السلوك أشياء وأشياء.  

   أن تخفق في عمل ما بسبب خطأ، أو جملة أخطاء، من بعد أن تكون قد بذلت جهدك فيه، واتخذت كافة الأسباب المؤدية للنجاح، لا يمكن اعتباره عملاً يستحق كثير ملامة وعتاب، لأنه لا يوجد من يعمل دون أن يخطئ، إلا إن كان هذا العامل من جنس الملائكة. فنحن البشر، الأصل فينا أن نعمل ونجتهد ونتخذ كل أسباب النجاح، ولكن أحياناً رغم هذا الاجتهاد، نخطئ بسبب وآخر، وقلّما يسلم امـرؤٌ من ذلك.   

أضف إلى ذلك أننا نعيش في مجتمع بشري يعمل فيه الناس معاً، حيث تتباين القدرات والمهارات والعقليات، وبالتالي الوقوع في الأخطاء أثناء أداء الأعمال والمهمات هو أمر لا يمكنك تفاديه بالسهولة التي تتصورها، وليس في ذلك ما يعيب، لكن العيب كل العيب، أن يكون الخطأ نتاج تقصير واضح، أو متعمد منك، أو لا تعمل وفق رؤية واضحة وخطة محكمة، أو لا تستفيد من أخطاء الماضي، أو لا تستخير قبل البدء في العمل، ولا تستشير أهل الخبرة والاختصاص.. وبالتالي ليس مستغرباً أن تكون النتيجة النهائية هي الإخفاق، بل لن يكون مستهجناً وقوع كثير ملامات عليك، أو إنتقادات، فهكذا المنطق السليم يقول.

   نقطة أخيرة يتعلق بالموضوع وهي أن الاعتراف بالخطأ والإعلان عن تحمل مسؤوليـة الخطأ وتبعاته، أمرٌ ليس سهلاً القيام به، ما لم تتوفر مهارات وصفات معينة في الشخص المخطئ، وقليل هم أولئك الشجعان الذين يعترفون بالخطأ إنْ صدر منهم وتبين لهم ذلك بوضوح لا غبار عليه.

 

وقد تتساءل لماذا هم قلة في مجتمعاتنا العربية؟

والإجابة باختصار شديد: الثقافة المجتمعية السائدة لا تساعد على ظهور أمثال هؤلاء الشجعان، باعتبار ذلك عيباً وانتقاصاً من القيمة المجتمعية للشخص الذي يعترف بالخطأ، والمفترض منه بدلاً عن ذلك، التبرير بعد التبرير، ثم بعد ذلك خلق العذر بعد أخيه، حتى يتنصل من المسؤولية نهاية الأمر، وإن كان على حساب غمط الحق.   

ولكن أكثر الناس لا يشكرون

 يحكى أن رجلاً ذهب إلى أحد العلماء، وشكا إليه فقره :

فقال له العالم: أَيسُرُّكَ أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟

فقال الرجل: لا

قال العالم: أيسرك أنك أخرس ولك عشره آلاف درهم؟

فقال الرجل: لا

قال العالم: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم؟

فقال الرجل: لا

قال العالم: أيسرك أنك مقطوع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا؟

فقال الرجل: لا

قال العالم، أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك نعم بخمسين ألفا ؟!

لماذا أكثرهم لا يشكرون ؟

   بالشكر تدوم النعم، هكذا تقول التجارب البشرية، وهي التجارب ذاتها تؤكد أن كفران النعم، سبب لزوالها. والإنسان بحسب طبيعته – كما قال السعدي في تفسيره للآية الكريمة : {إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}: ” لا تسمح نفسه بما عليه من الحقوق، فتؤديها كاملة موفرة، بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليه من الحقوق المالية والبدنية، إلا من هداه الله وخرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق”.

  حاول أن تجلس إلى نفسك يوماً لتعد وتُحصي نعم الله عليك، سواء في بدنك، أو بيتك أو محيطك أو ما شئت من المجالات التي ترى فيها نعم الله عليك وعلى أحبائك. حاول أن تكتبها كي لا تنسى نعمة أو أخرى.

  ستجد في لحظات قليلة، قائمة طويلة عريضة تشكلت عندك، وفيها من نعم الله الكثير الكثير. وستجد أن نعم الله عليك فعلاً لا تُعد ولا تُحصى. ولكن لتكرارها حولنا أو اعتيادنا على وجودها في كل لحظات حياتنا، ننسى أنها من نعم الله التي يغرقنا الله بها رغم كل التقصير في حقه سبحانه. نعمٌ ظاهرة وباطنة، تستوجب شكراً دائماً أبدا.


  

جنون العظمة

   الوهم بحسب التعريف الطبي هو عدم قدرة الفرد على التمييز بين الواقع وما يتخيله. وهو أنواع عديدة لن نسترسل ونتحدث عن تلكم الأنواع سوى نوع واحد هو ما يسمى بوهم العظمة، أو ما يمسيه الأطباء بجنون العـظمة، الذي قالوا في تعريفاتهم أنه مزيج من مشاعر وأفكار ناتجة عن شعور مبالغ فيه من القلق، أو الخوف، أو الاضطهاد، أو التهديد، أو التآمر، بحيث تتحول تلك المشاعر أو الوهم بعد حين من الدهر قصير، إلى معتقدات غير حقيقية، لكن يؤمن بها من يعيش هذا الوهم أو جنون العظمة.

   قد تلعب الجينات أو الصفات الوراثية في صناعة هذا الوهم في الإنسان، لكن العنصر الأهم في ابتلاء المرء بهذا الوهم، هو البيئة المحيطة التي يعيشها من هو مبتلى بهذا المرض النفسي، إن صح وجاز لنا التعبير. فالمشكلات والاضطرابات العائلية، أو ما حولها تزيد من احتمالية أن يُبتلى المرء بهذا الوهم أو وهم العظمة، بحيث تراه بعد الابتلاء، أنه دائم الريبة والشك في الآخرين من حوله حتى يتعمق هذا الوهم عنده، ليبدأ يعتقد أن أي وجهة نظر أو انتقاد يسمعه أو يقرأه، إنما هي إشارات أو رسائل تقصده هو دون غيره، أو أن أفعالهم وأقوالهم لابد أنها موجهة ضده أو تقصده، بالإضافة إلى شعور خفي دائم عنده ويتعمق، مفاده أن دوره في البيئة التي يعيشها مهم، لكنه غير معترف به، وأن هناك من يسعى دوماً للانتقاص من قيمته وشأنه وإحباط جهوده ! 

   إنّ أسوأ السيناريوهات في هذا الأمر، أن يُبتلى بهذا المرض من تؤول إليه الأمور بقدرة قادر ليكون صاحب قرار، كأن يكون رئيس دولة، أو وزيراً في دولته أو مديراً عاماً في شركة أو مؤسسة ما، أو مدير إدارة أو ما شابه من مناصب ذات صلاحيات.. فإن حدث وصار المبتلى بجنون العظمة صاحب قرار في كيان ما، دولة كانت أم وزارة أم شركة أم نحوها، فإن الأجواء مهددة بأن تتسمم وتحيطها سحب القلق والتوتر، وفي الوقت ذاته تنشط جماعات التطبيل أو النفاق، الباحثة عن مصالحها قبل أي شيء، حيث ترى في إحاطة هذا الموهوم بالعظمة، فرصة ذهبية لاحت لهم وربما لا تتكرر، إن هم لم يستغلوها في تحقيق أكبر كمٍ من المكاسب بالشكل المناسب، وفي الوقت المناسب.