ويلٌ للمطففين..
سورة المطففين أول سورة نزلت بالمدينة المنورة، حيث كان أهلها من أخبث الناس كيلاً قبل مجيء الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، كما روي عن ابن عباس قال: " لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله عز وجل ( ويل للمطففين ) فأحسنوا الكيل إلى يومهم هذا.
قال مالك بن دينار: احتضر جارٌ لي فجعل يقول: جبلان من نار.فقلت له: ما هذا ؟ فقال لي: يا أخي كان لي مكيالان آخذاً بالوافي وأعطي بالناقص.. وقال عكرمة: أشهد على كل كيّال، أو وزّان أنه في النار ( يقصد المطففين منهم ). وقال بعض العرب: لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل وألسنة الموازين. والمطفف كما يقول الإمام الماوردي، مأخوذ من الطفيف وهو القليل، أي أنّ المطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيلٍ، أو وزن، مادي أم معنوي.
فعل التطفيف
ليس محصوراً في البيع والشراء، وإنقاص المكيال والميزان، بل هو سلوك أوسع وأشمل، وقد
يظهر في جوانب كثيرة من حياتنا. فالتطفيف يعني أن يطلب المرء حقه كاملاً، بينما هو في الوقت ذاته يبخس
الآخرين حقوقهم، سواء أكانت حقوقاً مادية، أم معنوية. وقد يكون التطفيف في العمل
أيضاً حين يطالب موظف أن ينال التقدير وكافة حقوقه، بينما هو لا يؤدي واجباته
بإخلاص وأمانة. وهناك التطفيف في العلاقات كذلك، حين ينتظر أحدهم من الآخرين
الوفاء والاهتمام والرعاية، بينما هو يتجاهل أبسط حقوقهم، أو لا يتعامل معهم بنفس
المعاملة التي يرغبها هو منهم !! ومن صور التطفيف أيضاً، أن ينسب المرء لنفسه جهود
الآخرين، أو يقلل من إنجازاتهم، أو يبحث عن أخطائهم.
ومن هنا يتضح أن فعل التطفيف ليس مجرد نقص في ميزان مادي، بل هو خلل في ميزان الأخلاق والعدل، يجعل المرء أنانياً في غالب معاملاته مع الآخرين، ويتحول هذا الفعل إلى سلوك مصاحب يصعب عليه التخلي عنه، وبالتالي فقدان ثقة الناس به، إضافة إلى الويل الذي ينتظره، أو الوعيد الشديد الذي تحدثت عنه السورة الكريمة، بسبب أنّ التطفيف، أو بخس الناس حقوقهم، ظلم بيّن وضياع للأمانة.
سورة المطففين كخلاصة للحديث، تدعونا إلى أهمية
أن يزن المرء أفعاله بميزان العدل، ويعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ويؤدي
حقوقهم كاملة، كما يحب أن يؤدي الناس إليه حقوقه كاملة.
إنّ بخس الناس حقوقهم ولو بالشيء الطفيف، لو لم تكن
مسألة عظيمة، ما ابتدأ الله سبحانه بتهديد كل كيّال أو وزّان بالويل، وهو أشد
العذاب. حفظنا الله وإياكم من أن نكون من المطففين ( الذين إذا اكتالوا على
الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون ) نسأل الله لنا ولكم العافية.