بيوت تصنع واثقين وأخرى مترددين 

ماذا تنتظر من شخص نشأ في بيت لا يعترف بجهوده، بل ويتم تحقيره فيه والتقليل من شأنه في كل حين؟ لا اعتقد انك تنتظر ناتجاً من شخص هذا حاله، والذي بمرور الوقت، وبسبب كثرة ما يتردد على سمعه من إهانات وما شابه، سيبدأ هو بنفسه يتبنّى ويعتقد صحة ما يُقال عنه، فلا يمكن أن يكون الكل على خطأ، وهو الصائب الوحيد!!

باعتقاده هذا سيدخل مرحلة حياتية خطرة، حيث يبدأ ممارسة تحقير الذات بنفسه، فإذا ما خرج للمجتمع بعد حين، وجدته سلبياً لا يعترف بوجوده، فاقداً للثقة، ودائم التقليل من شأنه، وبالضرورة شخص هذا حاله، لن يتمكن من إنجاز ما يوكل إليه من أعمال، ولسان حاله يردد: 

ألستُ ذلك الشخص غير المنتج وغير القادر على فعل شيء؟ 

ألستُ الشخص الذي كان ناقصاً حقيراً في بيته وبين أهله ؟ 

فلماذا أشعر بالحزن والأسف، وهكذا نشأت وتربيت؟   


   تحقير الذات من الأسباب التي تجعل الفرد غير منتج لا في بيته ولا مجتمعه، ومن السهل أن يتحول لعنصر مجتمعي خامل لا يهش ولا ينش كما تقول العامة، وربما يتحول يوماً ما - إن لم يتم تداركه وعلاجه - إلى عنصر هدم غاية في الخطورة بسبب ما تحيط به من معقتدات وهمية، ومشاعر سيئة يغذيها كبت رهيب نشأ عليه  !

   حين يبدأ الفرد بالتقليل من شأن نفسه، واحتقار ذاته، فهو مؤشر على وجود جذور للمسألة ممتدة إلى أعماق ذاكرته، حيث تتغذى تلك الجذور على ذكريات وحوادث غير سارة تُعتبر مصادر تغذية رئيسية لعمليات استشعار الدونية واستحقار الذات.

   تلكم الذكريات تعود بالطبع إلى مراحل مبكرة من عمر الإنسان أثناء التنشئة في البيت ثم المدرسة، باعتبارهما أكثر المواقع التي يمكث فيها الفرد طويلاً في حياته، وأكثر المواقع التي يختلط المرء بأفرادها، وتنشأ علاقات وصداقات، وتكون بيئات مثالية لتشكيل الشخصية قبل دخول المجتمع الكبير، فإما أن يكون الناتج على هيئة شخصية إيجابية مبادرة، أو أخرى مهزوزة قلقة تنشد البقاء حيثما كان الظل !


   من هنا يتبين دور البيت المهم في رفع، أو خفض شأن أي أحد من أفراده. من يجد في بيته كل تشجيع ورفع شأن من أبويه وإخوته، فهذا لا شك يؤدي إلى تأثره إيجاباً، وينشأ معتزاً بذاته، واثقاً من نفسه، ويكون عامل بناء في أي موقع بالمجتمع، فيما العكس صحيح دون ادنى ريب، وهو ما يدعونا ونحن نربي أبناءنا، إلى إيلاء الأمر أهمية بالغة من منطلق أن كل أحد منا راع ومسؤوول عن رعيته، كما قال المربي الأعظم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

 انتبه من البيت العنكبوتي

   العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن جاء ذكرها في آية واحدة بالإشارة إلى بيتها، الذي يُضرب به المثل على الوهن والضعف وعدم التماسك أمام أي هزة، أو هبة.

   أنثى العنكبوت هي كل الحكاية في عالم هذا الحيوان. الذكر لا دور له سوى المحافظة على استمرار النوع، ثم عليه أن يكون سريع الفرار بعد أداء وظيفته الفطرية مع العنكبوت، من قبل أن تقتله وتلتهمه، فهذا غالباً ما يحدث في أي بيت عنكبوتي. ومن هنا تسمى العنكبوت بالأرملة السوداء، أو الأنثى التي ترمل نفسها بيدها، لتبقى المسيطرة على البيت، ولهذا القرآن ينسبُ البيت إليها.

   قد نظن للوهلة الأولى أن الوهن في بيت العنكبوت بسبب النسيج المستخدم لبناء الشبكة، لكن بعد دراسة علماء الأحياء لحياة هذا الكائن، تبين مدى دقة الوصف القرآني المدهش لمعنى الوهن في هذا البيت تحديداً، دون غيره من البيوت. إذ أنّ الوهن ليس في الشبكة، أو الخيوط، بل في كيان هذا البيت.

   لاحظ أن الأنثى ما إن تنتهي من عملية التزاوج مع الذكر، تبدأ ترتيباتها لقتل العنكب دون أدنى رأفة ورحمة. لكن بعض ذكور العناكب من الذكاء والمهارة، تهرب سريعاً وتنجو بحياتها قبل أن تستعيد العنكبوت نشاطها بعد التزاوج. لكن في أحيان أخرى، هذه الشريرة، وبدلاً من قتل العنكب، تقرر الإبقاء على حياته، فتسجنه في بيتها، ليس رحمة وحباً فيه، وإنما تبقيه كطعام جاهز لصغارها حين يفقس البيض، حتى تجد تلك العناكب الصغيرة الجائعة أباها كطعام لذيذ جاهز للالتهام ! 

وفي بيوت عنكبوتية أخرى، تتطور الأمور في السوء. فما إن تبدأ العناكب الصغيرة بالنمو حتى تنقلب على الأم أيضاً، والتي يجدونها وجبة شهية سهلة المنال. وهكذا يبدأ يعيش أولئك الصغار في مرحلة النمو، وفق مبدأ القوي يأكل الضعيف، حتى يُنسف البيت عن بكرة أبيه !

    البيت العنكبوتي إذن متخلخل لا أساس له منذ بداية تأسيسه، ولا هدف من وراء بنائه سوى تحقيق مصالح فردية بحتة، ولو على حساب جميع أهل البيت. وما أكثر البيوت العنكبوتية في عالمنا البشري، وهو مغزى حديث اليوم، حيث تجد بيوتاً كثيرة يغيب عنها الترابط والتعاون والألفة، وهي أساسات البيت السليم الصحي. لأنّ الوهن حين يضرب في جذور العلاقات الأسرية، ويقع التفرق والخلاف بين أفراد البيت الواحد، وخاصة بين الزوج وزوجته، فإنّ نتائجه عادة هي خراب وانهيار هذا البيت على من فيه. ولذلك كلما قويت العلاقات، صمد البيت، والعكس صحيح دون كثير شروحات وتفصيلات..            

                           أتأمرون الناس بالبر..

   

  ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم. فالأمر يحتاج تدريباً وإرادة، وقبل ذلك صفاء الباطن كما الظاهر.

  هذا التوافق والقدرة على أن تفعل ما تقول، سبب لإحداث التأثير الإيجابي في نفوس الغير. أما أن تأمر بفعلٍ أنت مخالفه، وتنهى عن فعلٍ أنت منغمس فيه، فهو التناقض ذاته الذي يُذهب بالهيبة أولاً، ومن ثم لا أثر فاعلاً في نفوس الآخرين تجده ثانياً.

   على رغم أن القرآن أشار إلى اليهود في قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) إلا أن الآية تشمل كل أحد يحث آخرين على فعل الخير وهو يجانبه، أو ينهى عن قبيح الأقوال والأفعال وهو غارق فيها جميعاً ! الأمر يشمل الآباء والأمهات، المعلمون والمعلمات، وغيرهم من الدعاة والمسؤولين والزعماء ومن على شاكلتهم، أو كل من يأمر وينصح ويوجّه ويُرشد.

   أبرز من يمكن الإشارة إليهم في ظل هذه الآية هم علماء الدين والدعاة إليه. لماذا؟ لأن تبليغ الدين والدعوة إليه تحتاج إلى عامل الثقة في الداعية، فإنّ المدعو ما إن يضع ثقته في الداعية، فقد أعلن قبوله وفتح أبواب قلبه لما سيأتي من لدن هذا الداعية، وبالتالي أي اهتزاز لتلك الثقة، يعني اهتزاز الثقة بالدين، وهنا خطورة الأمر.

   الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه - كما يقول صاحب الظلال، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. إنّ آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء من يملكون المال أو السلطان، كما كان يفعل أحبار يهود ! عافانا الله وإياكم من هذا النفاق، وجعلنا من ( الذين يستمعـون القول فيتبعون أحسنه ).